يوسف المرعشلي

1100

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

محمد بوعشرين المغربي - محمد بن إدريس بن الطيّب ( ت 1381 ه ) . محمد بو عشرين - محمد بن شعيب بو عشرين ( ت 1364 ه ) . محمد البوغوري - محمد بن أحيد ( ت 1372 ه ) . محمد بيرم « * » ( 1256 - 1307 ه ) محمد بيرم ( الخامس ) بن مصطفى بن محمد بيرم ( الثالث ) من بني بيرم ، من علماء تونس ووجهائها ، ومن أكثر المسلمين تفانيا في نصرة الإسلام . ولد في تونس 1256 ه / 1840 م ، ويتصل نسبه ببيرم أحد قواد الجند العثماني الذي جاء تونس بقيادة سنان باشا سنة 981 ه . تفقه في جامع الزيتونة ، ونشأ حرّ الضمير يكره الاستبداد ، فسرّه إنشاء مجلس الشورى في الحكومة التونسية على عهد الصادق باشا وكان من أكبر نصرائه ، وتولّى رئاسة المجلس الوزير خير الدين باشا . وتعيّن بيرم سنة 1287 ه مدرّسا في الجامع المذكور ، وبعد سنتين توفي والده عن ثروة طائلة ، وظهرت في أثناء ذلك فتنة عمومية في الإيالة التونسية على إثر انحلال مجلس الشورى فشقّ ذلك عليه ، وتمكنت علائقه مع خير الدين باشا من ذلك الحين لاتفاقهما في النقمة على الحكومة . وفي سنة 1290 ه عاد خير الدين باشا إلى الوزارة الكبرى في تونس ، فجاهر بيرم بنصرته وصرح بآرائه السياسية على صفحات الجرائد وهو أول من تجاسر على ذلك هناك . وأعجب الوزير بنشاطه وتعقّله فعهد إليه إدارة الأوقاف سنة 1291 ه ، فأحسن إدارتها ونظمها . وأصيب في السنة التالية بانحراف حمله على السفر إلى أوروبا للاستشفاء ، ولقي في باريس المارشال مكماهون فأكرمه ، وحضر المعرض العام وشاهد كثيرا من ثمار قرائح أهل هذا التمدن ، فلما عاد إلى تونس أخذ في تنظيم مستشفاها على نحو ما رآه في مستشفيات أوروبا . ووقع في أثناء ذلك بين قنصل فرنسا الكونت دوسانسي والحكومة التونسية نزاع على قطعة أرض كانت الحكومة منحته إياها لتربية الخيل على شروط أخل بها ، فأرادت استرجاعها فأبى ، وبينما هي تنازعه وتجادله عليها ، ذهب الوزير وهو يومئذ مصطفى بن إسماعيل إلى تلك الأرض ودخلها عنوة في زمرة من أعوانه . فاغتنم القنصل هذا التعدي لتمكين سيادة دولته في تونس ، فرفع أمره إليها ، وطلب عزل الوزير ، فخاف هذا وأسرع إلى الترضية ، فعيّنوا لجنة تحكيم كان بيرم أحد أعضائها ، فأخذ جانب الدفاع عن الحكومة بكل قواه ، وكان نحيف البنية مصابا بمرض في الأعصاب الموصلة بين المعدة والقلب مع ضعف شديد في الدم يستخدم المورفين لتسكين آلامه ، فأثر ذلك في صحته واضطر أن يشخص إلى باريس للاستشفاء ، وأما اللجنة فصدر حكمها لمصلحة القنصل . ونهض التونسيون على إثر ذلك يطلبون الجنوح من الحكم الاستبدادي إلى الشورى ، وسعوا في ذلك سعيا حثيثا لم يأت بنتيجة ، لأن أمير البلاد يومئذ لم يعضد مطالبهم . ويقال إن ذلك كان بتحريض فرنسا لأنها تعتقد أن الحكومة الدستورية تخالف مصلحتها هناك . وأما بيرم فقد كان في مقدمة الراغبين في الشورى ، وعاتبه الأمير على تعضيده الأهالي في مطالبهم فأجابه بحرية لم يعهد مثلها وبين له خطأه . وتوجّه تلك السنة إلى باريس كالعادة واغتنم وجوده هناك فرفع إلى غمبتّا تقريرا مسهبا يشكو فيه سوء تصرف القنصل ووقوفه في سبيل كل مشروع نافع للبلاد . وبلغ خبر ذلك إلى القنصل فزاد غضبا ونقمة ، واتفق في أثناء طلب التونسيين الشورى أن الدول كانت مشغولة بخلع إسماعيل باشا خديوي مصر ، وكان الصدر الأعظم في الآستانة يومئذ خير الدين باشا ، ونظرا لما يعلمونه من علائق بيرم بخير الدين

--> ( * ) « المقتطف » 15 / 673 ، و « الاعتبار » 1 / 94 ، و « تراجم مشاهير الشرق » ، لزيدان : 2 / 287 ، والأعلام للزركلي 7 / 101 .